الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني

59

موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان

وشاءت عناية اللَّه قهر حملة الأحزاب ، وتوجه الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم بعدها إلى تأديب الغدرة الفجرة من بني قريضة . وتمكن منهم بعد حصار طال وامتد ، وطلب هؤلاء من الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم أن يبعث لهم بالصحابي أبي لبابة ، وكان حليفاً لهم في الجاهلية ، وكان له بينهم مال وعقار ، فحسبوا أنه سيكون سبب تخفيف عنهم ، ولما وصلهم أبو لبابة أخذوا يسألونه : أيسلمون وينزلون على حكم النبي صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم ؟ . فقال لهم : نعم . ثم بدرت منه بادرة غير مقصودة ، فأشار بيده إلى حلقه إشارة يفهم منها أن مصيرهم هو القتل ، ولعله كان قد عرف ذلك من الرسول صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم أو استنتجه ، وهو قصاص عادل من غير شك . وما كاد أبو لبابه رضي اللَّه عنه يأتي بهذه الإشارة حتى تنبه إلى نفسه في خوف وجزع ، وأحس وكأنه خان أمانة اللَّه ورسوله ، في هذه الإشارة ؛ لأنه كشف شيئاً كان يجب عليه - ولو في اعتقاده - أن يخفيه فعصره الألم والحزن وقال : ( فو اللَّه ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أنى خنت اللَّه ورسوله ) . وظهر الندم على وجهه ، فقال له بعض اليهود : مالك يا أبا لبابة ؟ فأجاب : لقد خنت اللَّه ورسوله . وعاد مسرعاً إلى المدينة ، والدمع يسيل من عينيه ، وما زال مسرعاً في مشيته حتى دخل المسجد ، وربط نفسه في أحد أعمدته في سلسلة ثقيلة . وقال : واللَّه لا أذوق طعاماً أو شراباً حتى أموت أو يتوب اللَّه علي مما صنعت . وأخذ على نفسه العهد الوثيق ألا يدخل أرض بني قريظة ما دام حياً ، مع أنه كان له فيها مال وعقار . وبلغت القصة مسمع رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه وسلّم فقال : ( أما لو جاءني لاستغفرت له وأما إذا فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه حتى يتوب اللَّه عليه ) « 1 » . وجاء الوحي من عند اللَّه مؤدباً ومعلماً ، فقال : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) « 2 »

--> ( 1 ) شرح الزرقاني ج : 3 ص : 90 - انظر فهرس الأحاديث . ( 2 ) الأنفال : 27 .